وضع داكن
07-07-2026
Logo
أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس 093 ب : اسم الله المقدم 2
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

  الإنسان مُسيّر ومُخيّر في وقت واحد:


أيها الإخوة الكرام؛ لا زلنا في اسم المُقَدِّم، وكلكم يعلم أن الإنسان مُسيّر ومُخيّر في وقت معاً، مُسيّر في أمه وأبيه، مُسيّر في كونه ذكراً أو أنثى، مُسيّر في مكان ولادته، مُسيّر في زمان ولادته، مُسيّر في قدراته، في شكله، في قِوامه، في قدراته العامة، لكن العلماء أجمعوا على أن هذا الذي سُيِّر فيه الإنسان لصالحه، وليس في الإمكان أبدع مما كان، أو ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني، هذا المُقَدِّم الكوني، قدمك بالوسامة، قدمك بالذكاء، قدمك بالفصاحة، قدمك بالقدرات العامة، هو مُقَدِّم لحكمة بالغةٍ بالغة حينما تُكشف يذوب الإنسان شكراً لله على ما أقامه، انطلاقاً من مقولة رائعة قالها ابن عطاء الله السكندري: ربما أعطاك فمنعك وربما منعك فأعطاك، وإذا كشف لك الحكمة في المنع عاد المنع عين العطاء.
فأنت تتمتع بخصائص، هناك أشياء أنت فيها مُقَدَّم، من الذي قدّمك؟ المُقدِّم، هناك أشياء أنت فيها متأخر من الذي أخّرك؟ ولِدْت من أسرة فقيرة، دخلك محدود، هناك طفل ولِد من أسرة غنية جداً، دخله غير محدود، فالله عز وجل مُقدِّم ومُؤخِّر، قدمك في مجالات، وأخرك في مجالات لحكمة بالغةٍ بالغة عرفها من عرفها وجهلها من جهلها.
 

توزيع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء وفي الآخرة توزيع جزاء:


الآن نستنبط أن الحظوظ؛ حظ المال، حظ الذكاء، حظ الوسامة، حظ القدرات العامة العالية، أن الحظوظ موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء، قال تعالى:

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21)﴾

[ سورة الإسراء ]

وسوف تُوَزَّع في الآخرة توزيع جزاء، لذلك:

﴿ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3)﴾

[ سورة الواقعة ]

الأشياء التي تقدّمت بها قدمك بها المُقَدِّم، والأشياء التي تأخرت بها أخرك بها المُقدِّم لصالحك، فلذلك الكلمة الوحيدة يوم القيامة لجميع الخلائق:

﴿ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10)﴾

[ سورة يونس  ]

 

المُقدِّم اسم يتعلق بالتربية:


أيها الإخوة؛ الآن نستنبط أن المُقَدِّم اسم يتعلق بالتربية، هو يربينا، يعطينا ما يناسبنا، يكافئنا على أعمالنا الصالحة فيقدمنا، ويعاقبنا أحياناً على الأعمال التي ليست صالحة فيؤخرنا، فالله المُقدِّم، أي شيء تفوقت فيه الفضل لله عز وجل، أي شيء لمعت فيه الفضل لله عز وجل، أي شيء حققت فيه نجاحاً الفضل لله عز وجل لأنه المُقدِّم، لكن كما قلنا: هناك تقديم شرعي مثلاً: عدل ساعة خير من أن تعبد الله ثمانين عاماً، قدم العدل، تفكر ساعة خير من قيام سنة، قال تعالى:

﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)﴾

[ سورة القدر ]

يوم عرفة أفضل الأيام إطلاقاً، كما أن ليلة القدر أفضل الليالي إطلاقاً، الصف الأول عند الله مُقدَّم، برّ الوالدين مُقدَّم، إغاثة الملهوف مُقدَّم، إحقاق الحق مُقدَّم، التحلي بالخلق الحسن هذا في الدرجة الأولى، الإيمان هو الخُلُق فمن زاد عليك في الخُلُق زاد عليك في الإيمان، الأوقات بعضها مُقدَّم،

(( عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لَوْ يعْلمُ النَّاسُ مَا في النِّداءِ والصَّفِّ الأَولِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ يسْتَهِموا علَيهِ لاسْتهموا علَيْهِ، ولوْ يعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِير لاسْتبَقوا إَليْهِ، ولَوْ يعْلَمُون مَا فِي العَتَمَةِ والصُّبْحِ لأتوهمُا ولَوْ حبوًا. ))

[ متفق عليه  ]

أي الزوج الصالح مُقدَّم على الزوج غير الصالح، أنت من خلال القرآن والسنة تكتشف الذي قدمه الله تشريعاً، قدم تكويناً، وقدم تشريعاً، فالذي قدمك فيه تكويناً هذا فضل الله عليك، والذي أخره عنك تأخيراً هذه تربية حكيمة ينبغي أن تشكر الله عليها، والذي قدمه تشريعاً بادِرْ إليه، فإذاً المُقدِّم متعلق بالمربي، هو يربينا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يربينا بالحوادث، يربينا بالقرآن، يربينا بالعلماء، يربينا أحياناً بالرؤى، إنسان صالح على وشك أن يقترف عملاً سيئاً يرى رؤيا فيها تحذير.
 

أية آية موجهة إلى النبي موجهة للمؤمن بحسب إيمانه واستقامته وإخلاصه:


إذا قال الله عز وجل لسيد الخلق وحبيب الحق:

﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)﴾

[ سورة الشرح ]

النبي مُقَدَّم، هو المخلوق الأول،

(( عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ. ))

[ صحيح مسلم ]

النبي مُقدَّم، قال الله له: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ العلماء قالوا: أية آية موجهة إلى النبي صلى الله عليه وسلم هي موجهة أيضاً لكل مؤمن بحسب إيمانه، واستقامته، وإخلاصه، وأنت أيها المؤمن حينما تخطب ودّ الله، حينما تقف عند الحلال والحرام، حينما يكون خيرك لعباد الله، حينما ترحم الناس، حينما تُنصفهم، حينما تنصحهم، يرفع الله لك ذكرك، ويُعلي قدرك، إذا قال الله عز وجل يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام:

﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48)﴾

[ سورة الطور ]

ولكل مؤمن من هذه الآية نصيب على قدر إيمانه، واستقامته، وإخلاصه، إذاً جميع الآيات التي وُجِّهت لسيد الكائنات هي موجهة لكل مؤمن بنصيبه من إيمانه، واستقامته، وعمله الصالح.
 

وراء كل محنة منحة من الله عز وجل:


الآن أخّرك أي أرسل لك محنة، يجب أن تعتقد اعتقاداً جازماً أن كل محنة وراءها منحة من الله، إن هذا الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء-لأنه مؤقت-ولم يحزن لشقاء-لأنه مؤقت-قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي، فكل محنة تصيب المؤمن وراءها منحة من الله من أجل أن تتفاءل، من أجل أن تثق بالله عز وجل، قال تعالى:

﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)﴾

[ سورة آل عمران  ]

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51)﴾

[ سورة التوبة ]

لا علينا.
 

من استقام على أمر الله قدّمه وأعلى قدره ورفع شأنه:


مثلاً:

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾

[ سورة الجاثية ]

حينما تستقيم على أمر الله تُقَدَّم، والله يُقدمك، ويُعلي قدرك، ويرفع شأنك، ويحفظك، ويرعاك، ويؤيدك، وينصرك.

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (18)﴾

[ سورة السجدة  ]

يُقدِّم المؤمن، ويُؤخِّر الفاسق.

﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)﴾

[ سورة القلم  ]

يُقدِّم المسلم، ويُؤخِّر المجرم.

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61)﴾

[  سورة القصص ]

الذي وعدناه وعداً حسناً يُقدمه في الآخرة، والذي ﴿مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يؤخره في الآخرة، من أمِنَ الله في الدنيا أخافه يوم القيامة، ومن خافه في الدنيا أمّنه يوم القيامة.
 

عدم استواء المنضبط مع المتفلت والمستقيم مع المنحرف:


الآن قدّم الله الذين يعلمون على الذين لا يعلمون، كيف؟

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11)﴾

[ سورة المجادلة ]

﴿ أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9)﴾

[ سورة الزمر ]

قدّم الذين يعلمون وأخّر الذين لا يعلمون، هل يستوي المستقيم مع المنحرف؟ مستحيل، الصادق مع الكاذب؟ مستحيل، المنضبط مع المتفلت؟ مستحيل، المُنصف مع الجاحد؟ مستحيل، ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ .
 

من اتقى الله هابه كل شيء:


أيها الإخوة؛ اسم المُقدِّم اسم عظيم، كل شيء قدمك الله فيه، الفضل لله أولاً ومكافأة لك على استقامتك، وعلى إحسانك.
الآن يوجد عندنا حالة جديدة؛ يكون شاب بأسرة مستقيم، منضبط، يطبق منهج الله، الله عز وجل يُضفي عليه هيبة، ومكانة، أحياناً الأب يتقرب منه، الأم تتقرب منه، إخوته البنات يهابونه هيبة كثيرة، أحياناً الأسرة تمتنع عن بعض الأعمال أمامه، مع أنه شاب في الأسرة، أحياناً يكون موظفاً في دائرة مستقيماً، الكل يتقرب إليه، حتى المدير العام يعتني به، يستقبله، يُرحب به، يثق به، يُثني عليه، المستقيم بأية مرتبة كان يقدمه الله.
مرة حدثني أخ: له مدير عام غير منضبط إطلاقاً، فسافر معه، أراه من الانضباط ما لا يوصف، قال له: أنا أنضبط في هذا السفر من أجلك، احتراماً لك، فالإنسان إذا وصل إلى الله أضفى الله عليه ثوب هيبته، من اتقى الله هابه كل شيء، ومن لم يتقِ الله أهابه الله من كل شيء، الله يُقدم، يُقدِّمك مكانة، يُقدِّمك هيبة، يُقدِّمك تألقاً، يُقدِّمك توفيقاً، يُقدِّمك تأييداً، يُقدِّمك حفظاً، يُقدِّمك نصراً، هو المُقدِّم.
مرة استمعت إلى كلمة قالها فيلسوف ألماني توينبي: إن المسلم يتمتع بمكانة عالية، وكنا نُجلّه ونحترمه أشدّ الإجلال والاحترام، لما استطعنا أن نجره إلينا على حساب دينه احتقرناه، لأنه لم يعد يملك شيئاً يُقدمه لنا، عندما كان مستقيماً، عندما كان متمسكاً بدينه احترمناه بالغ الاحترام، فلما استطعنا أن نجُره إلينا على حساب دينه وقيمه احتقرناه، لأنه لم يعُد يملك شيئاً يقدمه لنا، لما إنسان يترك دينه سقط من عين الله ومن عين الناس، كان مُقدَّماً فأخّره الله.
الله عز وجل قدم العارفين على الجاهلين، أي أنت أمام عشرات بل مئات بل ألوف القصص، معظم هذه القصص تصلك من فصلها الأخير، صدق لا معنى لها.
 

علاقة المستقيم بالله علاقة انضباط ومحبة وإخلاص فيقدمه الله عز وجل:


لذلك الله يُقدم المستقيم، ولو أن استقامته فيما بينه وبين الله، تقول: ما السبب في التوفيق الذي يتمتع به فلان؟ ما السبب في هذا الإنجاز الضخم الذي أعطاه الله لفلان؟ السبب علاقته بالله علاقة انضباط، علاقة محبة، علاقة إخلاص، يقدمك الله عز وجل، يقدم العالم على الجاهل، يقدم المستقيم على المنحرف، يقدم المُنصف على الجاحد، قدم العارفين على الجاهلين، وفتح لهم أبواب اليقين.
والله مرة زرت عالماً في مدينة، هو في السادسة والتسعين، والله الذي لا إله إلا هو ما رأيت ملكاً على عرشه كهذا العالم، بيت متواضع، لكن حوله إخوة كرام يحبونه كثيراً، يبدو أنه في قلوبهم جميعاً، يبدو أنه قدم لهم خيراً كثيراً، متواضع، حياته بسيطة، لكنه عرف الله، أحياناً تأتيك مكانة لا من أسرتك، ولا من منصبك، ولا من مالك، ولا من قوتك، ولكن من محبة الله لك.
وبالمناسبة هناك حقيقة دقيقة جداً أن الله سبحانه وتعالى إذا أحبّ عبداً ألقى محبته في قلوب الخلق، وهذا أكبر رأسمال يملكه الإنسان أن يثق الناس به، أن يحبه الناس، وإذا أبغض الله إنساناً ألقى بُغضه في قلوب الخلق، يكون ذكياً جداً، ومع ذكائه مبغوض، يكون يملك أموالاً طائلة، ومع غناه مبغوض.
 

ألسنة الخلق أقلام الحق:


فلذلك أيها الإخوة؛ الله المُقدِّم، أحياناً يقدمك في قلوب الخلق، لذلك قالوا: ألسنة الخلق أقلام الحق، حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث فيه ملمح دقيق، حينما أثنى الناس على جنازة قال:

(( عن أَنَسٍ   يَقُولُ: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَجَبَتْ». ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: «وَجَبَتْ». فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ  : مَا وَجَبَتْ؟ قَالَ: «هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ». ))

[ صحيح البخاري ]

لأن ألسنة الخلق هي أقلام الحق، أي بصراحة المؤمن من لوازمه أن يعشقه الناس، متواضع، مُنصف، رحيم، عفو، كريم، يقدم شيئاً ثميناً للأمة يصبح محبوباً، لا تصدق مؤمناً لا يحبه الناس، لا تصدق مؤمناً ليس يتمتع بمكانة علية بين الناس، لأنه خطب ودّ الله، إذا كان الله معك فمن عليك؟ قدم العلماء على الجهلاء، وجعلهم نجوم الاهتداء، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على كل الخلق، وجعله حبيب الحق، مُقدِّم الله عز وجل.
 

أدب سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه:


سيدنا عمر حينما تولى الخلافة وقف ليخطب فنزل درجة، لم يقف في الدرجة التي كان يقف فيها الصّدّيق، ثم قال: ما كان الله ليراني أن أرى نفسي في مقام أبي بكر، من شدة أدبه ما أحبّ أن يقف على الدرجة التي وقف عليها أبو بكر، وكان يقول: كنت خادم رسول الله، وجلواذه، وسيفه المسلول، فكان يُغمدني إذا شاء، وتوفي وهو عني راضٍ، الحمد لله على هذا كثيراً، وأنا به أسعد، انظر إلى الأدب، ثم كنت خادم أبي بكر، وجلواذه، وسيفه المسلول، فكان يُغمدني إذا شاء، والحمد لله على هذا كثيراً، وأنا به أسعد، أما وقد آلت الأمور إليّ فاعلموا أيها الناس أن تلك الشدة قد أُضعِفت، هو كان شديداً لكن مع واحد رحيم، كالأم والأب تماماً، الأب يقسو في الظاهر، والأم تشفع لابنها.
الآن النبي الكريم انتقل، والصّدّيق انتقل، قال: لقد آلت الأمور إليّ، اعلموا أن هذه الشدة قد أُضعِفت، وإنما تكون على أهل المعصية والفجور، أما أهل التقوى والإيمان فسأضع خدي ليطؤوه بأقدامهم، كلام سيدنا عمر، لكم عليّ أيها الناس خمس خصال خذوني بهن، حاسبوني، لكم عليّ ألا آخذ من أموالكم شيئاً إلا بحقه-أهم شيء المال-وألا أنفقه إلا بحقه، ولكم عليّ ألا أُجمِّركم في البعوث-مسافر له زوجة، له أولاد، سنة بعيد عن أهله-ولكم عليّ ألا أُجمِّركم-أي أجمدكم-في البعوث، وإذا غبتم في البعوث فأنا أبو العيال حتى ترجعوا، ولكم عليّ أن أزيد عطاياكم إن شاء الله تعالى، هذا عمر.
سيدنا عثمان ما نزل درجة، لأن هناك حكمة بالغة، سأل أحد خلفاء بني أمية وزيره: لِمَ لم ينزل عثمان درجة؟ قال له: أما والله لو فعلها لكنت في قعر بئر، إذا كل خليفة نزل درجة، ممكن أن تكون مرة واحدة، وبعض الروايات سيدنا عثمان نزل وصعد، لكن نزل درجة أدباً ثم عاد إلى المرتبة التي هو فيها.
 

حجمك عند الله بحجم عملك الصالح:


على كلٍّ الله يُقدم، والله يؤخر، لك حجم عند الله بحجم عملك الصالح، اسأل نفسك كل يوم: ماذا قدمت لله؟ ماذا قدمت من عمل لا تبتغي به لا سمعة؟ ولا مكانة؟ ولا ثناء؟ ولا تعويضاً؟ عمل لوجه الله، فمكانتك عند الله بقدر عملك الصالح والدليل دققوا:

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132)﴾

[ سورة الأنعام ]

مكانتك عند الله بحجم عملك الصالح، والله عز وجل قال:

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (10)﴾

[ سورة فاطر ]

الآن لا يمكن أن يستوي عند الله إنسانان متفاوتان في عملهما أبداً، إذا كان عملك أصلح فمرتبتك أعلى، إذا كان ورعك أكثر فمرتبتك أعلى، إن كانت محبتك أكثر فمرتبتك أعلى، إن كانت استقامتك أبلغ فمرتبتك أعلى، لا يمكن أن يستوي إنسانان بعملين متفاوتين، لكن لو سألتني: لم المسلمون الآن بحال لا يُحسدون عليه؟ أقول لك كلمة موجزة جامعةً مانعةً: هان أمر الله عليهم فهانوا على الله.
 

على المؤمن أن يشتق من كمال الله كمالاً يتقرب به إليه:


الآن أنت مؤمن، وينبغي أن تشتق من كمال الله كمالاً تتقرب به إليه، أنت رئيس دائرة، مدير مستشفى، رئيس جامعة، صاحب شركة، عندك موظفون، يجب أن تُقدم وأن تُؤخر، لكن من تُقدم؟ هنا الآن؛ الإنسان المؤمن يقدم بمقاييس موضوعية، وغير المؤمن يقدم بمقاييس انتمائية، والدول المتقدمة جداً والقوية جداً تقدم بمقاييس موضوعية، والدول المتخلفة تقدم بمقاييس انتمائية.
شيء آخر وأخير؛ المؤمن من تواضعه لا يُعَتِّم على من حوله، هناك أشخاص يعبدون ذواتهم، يُعتمون على كل من حولهم، أما المؤمن يعترف بالآخر، ويُقدِّر الآخر، ويُثني على الآخر، هذا من تواضعه ومن موضوعيته.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور