وضع داكن
26-02-2025
Logo
العقيدة الإسلامية - الدرس : 46 - الإيمان باليوم الآخر 4- تتمة السنن الإلهية من القرآن الكريم المتعلقة باليوم الآخر
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 

الجنة محض فضل مِن الله عزّ وجل والنارَ محضُ عدل:


أيها الإخوة المؤمنون؛ مع الدرس السادس والأربعين من دروس العقيدة.
تحدثنا في الدرس الماضي في موضوع الإيمان باليوم الآخر عن بعض القوانين أو السنن التي سنّها الله سبحانه وتعالى وقلنا: إن بعض هذه القوانين أساسها الجزاء، فقانون الجزاء أقرّه الله عزّ وجل في تعامله مع العباد، والقانون قانون الجزاءِ أثرٌ مِن آثر العدل الإلهي، وتحدثنا عن الجزاء الرّباني بين الفضل والعدل، وقلنا: إنّ دخول الجنة فضلٌ مِن الله عزّ وجل، وإنّ دخول الإنسان إلى النار بمحض العدلِ الإلهي.
وأخ كريم طلب مني توضيحَ هذه الفكرة مرة ثانية، لأن بعض الإخوة الأكارم فهموها فهماً ما أردته أنا، ما معنى أن الجنة محض فضل مِن الله عزّ وجل وأنّ النارَ محضُ عدل؟ لماذا الجنة بالفضل والنار بالعدل؟ الفكرة دقيقة جداً، أحياناً قد يكون بين شيئين علاقة علمية، أي علاقة سبب بنتيجة، فالإنسان إذا وضع إصبعه على المدفأة تحترق وهي مشتعلة، فوضعُ الإصبع على المدفأة سببٌ لاحتراق الإصبع، فالعلاقة بين وضعِ اليد على المدفأة واحتراقِها علاقةُ سبب بنتيجة، من لوازم وضع الإصبع على المدفأة وهي مشتعلة أنها تحترق، لكن أحياناً نكافئ إنساناً على نجاحه، هذه المكافأة ليست العلاقة بينها وبين النجاح علاقة علمية، بمعنى أنّها علاقة لازمة، نتيجة حتمية، لا، الأب تدَخَّل ووَعَدَ ابنَه إذا نجح بهذه الدراجة، فهل هناك علاقة علمية أو علاقة حتمية بين النجاح وبين اقتناء الدراجة؟ لا، هناك علاقة تشجيعية، علاقة ثواب، علاقة جزاء، لو أن الأب امتنع عن شراء الدراجة هل بإمكان الطالب الناجح أن يقتني دراجة؟ هل جلاؤه يكفي لاقتناء دراجة؟ فهذه الدراجة محضُ فضلٍ مِن الأب، لكن الأب جعل هذه الدراجة مكافأة على الاجتهاد، جعل ثمنها الاجتهاد، فالاجتهاد ثمن، وليس سبباً، ليس الاجتهاد سبباً كافياً لنيل الدراجة، بل إنه ثمنٌ دُفِع من أجل نيل الفضل، فالجنة فضل إلهيٌّ مِن قِبَلِ الله سبحانه وتعالى، هذه الجنة جعل اللهُ ثمَنَها العمل، فإذا قرأت آية قرآنية تقول:

﴿ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32)﴾

[ سورة النحل ]

الآية صحيحة، لأن هذه الجنة التي هي محضُ ٍفضل جُعِل ثمنها العمل الصالح في الدنيا، لكن لو تخيّلنا أن إنساناً عَمِل عملاً صالحاً، هل له حقٌّ كحق الشريك مع شريكه؟ الشريك له حق مع شريكه، دافع معه رأس مال مشترك والجهد مشترك أين الحساب؟ أين الأرباح؟ يا ترى العبد الذي عَمِل الصالحات في الدنيا له حقٌّ عند الله بالجنة كحقِّ الشريك مع شريكه في الأرباح؟ لا، الجنة للذي عمل الصالحات محضُ فضلٍ، وليست نتيجة حتمية، وليست نتيجة لسبب ناتجة عنه بشكل حتمي، إذاً الجنة محض فضل، لو أنّ الله عزّ وجل قال: ليس هناك جنة، وهؤلاء الذين استقاموا على أمره في الدنيا وعملوا الصالحات هل لهم عند الله شيء؟ هل لهم حق؟ لا، لكن الله عز وجل تفضَّلَ ووعدَ المؤمنين بالجنة وعد فضل، وليس وعد حقّ، لكن هذا الوعد مقنن، ليس وعداً اعتباطياً، مزاجياً، هذه الجنة جُعِلت الاستقامة والعمل الصالح سبباً لها.
 

دخول الجنة بفضل الله والثمنُ هو العمل الصالح:


إذا قلنا كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لا وَلا أَنَا إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَلا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ. ))

[ متفق عليه ]

فالجنة برحمة الله، الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه قال بما معناه: ادخلوا الجنة برحمتي واقتسموها بأعمالكم. 
درجات الجنة يحتلها المؤمنون بحسب أعمالهم، دخول الجنة بفضل الله، والثمنُ هو العمل الصالح، أنت تنال فضل الله عز وجل بالعمل الصالح، لكن هذا الذي أساء في الدنيا، واعتدى على أعراض الناس، أو اعتدى على أموالهم، أو اعتدى على حُرُماتهم، أو اعتدى على دمائهم، يدخل النار بمحض العدل، لأن هذا الذي اعتدى عليه له حقّ عنده، تأتي النار لتكون عدلاً مِن الله عزّ وجل، أو تحقيقاً لاسم الحق، هذا الموضوع تحدثنا عنه في الدرس الماضي، وأردت أن أوضحه مرة ثانية كي أوفق بين الآيات الكثيرة:

﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43)﴾

[ سورة الأعراف ]

أي هذه الجنة فضل، لكن جُعِل لهذا الفضل ثمن، فمن دفع الثمن نال هذا الفضل، أما النار يستحقها الإنسان بمحض العدل، الجنة بمحض الفضل، والنار بمحض العدل، الحديث الشريف الذي تكلمت به قبل قليل يبدو في ظاهره متناقضاً مع الآية: ((لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لا وَلا أَنَا..)) أي العمل وحده غير كاف، لابد مِن تدخل الفضل الإلهي، النجاح وحده غير كافٍ، لابد من أنْ يأتي الأبُ ليدفع الثمنَ، ((قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لا وَلا أَنَا، إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ)) بعضهم وَفّق بين هذا الحديث الصحيح وبين الآيات الكثيرة بالمَثَل التالي: لو أن رجلاً وقوراً ميسورَ الحال له أخٌ توفي، وكان أخوه فقيراً، وترك أخوه ابناً نشيطاً، فطناً، واضطر هذا الابن لتأمين قوت إخوته الصغار أن يترك المدرسة، قال له عمه: يا بن أخي، إنْ كنتَ راغباً في الدراسة فأنا أنفقُ عليك إلى آخر سنة في دراستك؟ فَقَبِل هذا الابن، لكن أول سنة الأولي، ثاني سنة الأولي، وهكذا إلى أن أخذ الشهادة الثانوية، ثم أخذ الإجازة، ثم نال الدكتوراه في الطب، ثم اختصّ في دولة أجنبية، ثم عاد إلى بلده، وقد ذاع صيته، وتألّق نجمه، وكَثُر زبائنه، واتّسع دخله، وعاش حياة في بحبوحة كبيرة، مرة مِن المرات كان هذا العم مع ابن أخيه في جلسة، فقال ابن أخيه: واللهِ يا عمّ لولا فضلُك لما كنتُ بهذا المكان، فقال العم: لولا عملك لما كنتَ بهذا المكان، كلاهما صحيح، لو أنّ هذا الشاب الذكي المتّقد ذكاءً لم يُتَحْ له أحد ينفق عليه ماذا يفعل بذكائه؟ لا بد من أن يعمل كي يطعم إخوته، ولو أن هذا العم رأى في ابن أخيه بلادة، وتسيباً، وإهمالاً، وكسلاً ما أنفق عليه، فهذا الفضلُ الذي أعطاه العم لابن أخيه كان بسبب اجتهاد ابن أخيه، أي هذا المثل تقريباً يُوَضّح العلاقة التي تبدو في ظاهرها متناقضة بين الحديث، ((لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لا وَلا أَنَا، إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ)) وبين قوله تعالى: ﴿تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ :

﴿ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32)﴾

[ سورة النحل ]

فأصبحت الجنة فضلاً ثمنُه العملُ الصالح، والعمل الصالح لا يكفي لدخول الجنة إلا أن يسمح الله بها، أي هذا تقريباً التوضيح والتوفيق بين الحديث الصحيح وبين الآيات العديدة التي تؤكِّد أن الجنة بالعمل والحديث الذي يؤكد أن الجنة بفضل الله عزّ وجل.

مما يؤكِّد هذه الحقيقة أيضاً قولُ الله تعالى في سورة النساء:


﴿ مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (79)﴾

[ سورة النساء ]

أَوْجَدَكَ، أعطاك هذه الأجهزة التي تعمل بانتظام، أعطاك ذكاء تكسِب به رزقك، خَلَق لك من نفسك زوجة، إنسانة، أنجبْتَ منها أولادًا ملؤوا البيت بهجة وسروراً، أعطاك مالاً، اشتريت به بيتاً فيه غرف عدة، هنا تنام، وهنا تجلس، وهنا تستقبل الضيوف، وهنا تأكل، كل هذا مِن فضل الله عزّ وجل، فربنا عزّ وجل قال: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ﴾ لو توقفتْ إحدى الكليتين عن العمل لانقلبت الحياة جحيماً، لو تشمّع الكبد لانقلبت الحياة جحيماً، لو ضاق التنفس لانقلبت الحياة جحيماً، أي كلمة لو في الجسم تنطبق على مليون حالة، العجـب العجاب في الإنسان كيف أن هذه الأجهزة كلها تعمل بانتظام؟ الصحة هي العجب العُجاب، الشرايين والأوردة والضغط، والله مرة وقفتُ أمام واجهة مكتبة وجدت كتاباً يزيد عن ألف صفحة، عنوانه: أمراض الدم، هذا فيه اختصاص، اختصاص عال جداً في الدم فقط، للدم أمراض، نِسب المعادن، نِسب المواد الدسمة، نِسب السكريات، الشوارد، أشباه المعادن، عالَم قائم بذاته هذا البلازما، المصل عالم قائم بذاته، الكريات عالم قائم بذاته، الكريات البيضاء عالم قائم بذاته، الآن العالم كله ترتعد فرائصُه من مرض اسمه الإيدز، ما هو الإيدز؟ انحلال المناعة، أي هذا الجيش المجهز العرمرم، المُجهز بالأسلحة الفتاكة، الذي يملك استطلاعاً ممتازاً يتقصى الأخبار، ومخابر لتصنيع الأسلحة المضادة، وقوات مهاجمة، هذه الكريات البيضاء جهاز المناعة في الإنسان ثلاثة أنواع: نوع كريات استطلاعية، تستكشف طبيعة الجرثوم، وطبيعة سميته، وكريات مخبرية، تُصَنّع من هذا الاستطلاع مضاداً حيوياً لقتل هذا الجرثوم، يأتي صنف آخر يحمل هذه الأسلحة الفتاكة، هذه اللقاحات، هذه المضادات الحيوية، ويتوجّه إلى الجرثوم، ويُحاصره إلى أن يقضي عليه، فإذا وجد أحدنا بيده بقعة بيضاء آلمته، هذه نتيجة معركة كبيرة جداً طاحنة بين الكريات البيضاء وبين الجرثوم الدخيل، انحلال المناعة مرض خطير، يُعدّ الآن في العالَم العدوَّ الأولَ: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ﴾ العين تعمل بانتظام، بالشبكية يوجد مئة وثلاثون مليون مخروط وعصية، الأُذن لو اختلّ بالقناة الدائرية في مركز التوازن عبارة عن ثلاث قنوات فيها سائل، على جدرانها يوجد شعيرات، عندما يميل الإنسان السائل الذي كان مستوياً يرتفع في جانب على حساب جانب، تتنبه الشعيرات تجري تعديلاً، راكب الدراجة لو معه التهاب بالأذن يقع، لا يبقى مكانه، كلما انحرف يصحح، ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ﴾ الأذن أم الأنف، أم الحنجرة، أم اللسان، أم اللعاب، أم المريء، أم المعدة، أم الأمعاء؛ الأمعاء الدقيقة، الأمعاء الغليظة، الكبد، البنكرياس، الطحال، الصفراء، العقد اللمفاوية، القلب، الرئتان، الدماغ، الشرايين، الأوردة، نحن في عالَم كبير، إذاً: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ﴾ هذه نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الإرشاد، ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ بمحض العدل، والحسنة بمحض الفضل.
 

الأدلة من السنة على بحث الفضل والعدل:


(( عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: يا عِبَادِي، إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ علَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فلا تَظَالَمُوا، يا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلَّا مَن هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يا عِبَادِي، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلَّا مَن أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يا عِبَادِي، كُلُّكُمْ عَارٍ إلَّا مَن كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يا عِبَادِي، إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ باللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يا عِبَادِي، إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يا عِبَادِي، لو أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا علَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنكُمْ؛ ما زَادَ ذلكَ في مُلْكِي شيئًا، يا عِبَادِي، لوْ أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا علَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ؛ ما نَقَصَ ذلكَ مِن مُلْكِي شيئًا، يا عِبَادِي، لو أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا في صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي، فأعْطَيْتُ كُلَّ إنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ؛ ما نَقَصَ ذلكَ ممَّا عِندِي إلَّا كما يَنْقُصُ المِخْيَطُ إذَا أُدْخِلَ البَحْرَ -ذلك بأن عطائي كلام وأخذي كلام، كن فيكون، زل فيزول-يا عِبَادِي، إنَّما هي أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا، فمَن وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ ، وَمَن وَجَدَ غيرَ ذلكَ فلا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ. وفي روايةٍ: إنِّي حَرَّمْتُ علَى نَفْسِي الظُّلْمَ وعلَى عِبَادِي، فلا تَظَالَمُوا. ))

[ صحيح مسلم ]

الخير بمحض الفضل، ((وَمَن وَجَدَ غيرَ ذلكَ فلا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ)) بمحض العدل، فالخير من الله والشر من أنفسنا.
 

الخير والشر من الله لكن مناط التكليف على العزم والقصد بما اتجه إليه الإنسان:


الآن أخ يقول لي في نفس الآية يوجد: 

﴿ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78)﴾

[ سورة النساء ]

ما هذه؟ الآن قلت لك: الخير من الله محض فضل والشر من الإنسان محض عدل، الآية نفسها في سورة النساء يقول الله فيها بعد قليل: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ هنا دخل المناط، أي هذه التي أمامي طاولة، إن سألتني عنها أقلْ لك: طاولة، وإن سألتني عن شكلها الهندسي، أقلْ لك: مستطيل، وإن سألتني عن قوامها، أقلْ لك: خشب وحديد، هل هناك تناقض؟ لا، لو أنها كلها خشب أقول لك: إنها طاولة، وهذا مستطيل، وهذا خشب، كلمة خشب ومستطيل وطاولة هذه متناقضة؟ لا، لكن حينما عرّفتها من زاوية شكلها هي مستطيل، حينما عرّفتها من زاوية مادتها الأولية هي خشب، حينما عرّفتها من زاوية وظيفتها هي طاولة، العمل إذا عرّفته من زاوية الذي خَلَقَه، الله سبحانه وتعالى، الخير من الله عزّ وجل، والشر من الله، لا يقع شيءٌ في الأرض إلا بأمر من الله عزّ وجل، لو نظرت إلى العمل من زاوية سببِه وكسْبِه الخير من الله، والشرّ من الإنسان.
 مثل آخر أضربه كثيراً، أنا قد أقول: مدير الجامعة فصل هذا الطالب، الذي أصدر قراراً بالفصل هو مدير الجامعة، هذا الفعل فعله، أسأل: لماذا فَصَلَ هذا الطالبُ؟ لأنه الطالب ارتكب مخالفة تستدعي الفصل، فإنْ قلتَ: إن هذا الفصل كان بسببِ خطأ ارتكبه الطالب، كان كلامنا صحيحًا، وإنْ قلت: إن هذا الفصل تمّ بأمر مدير الجامعة أيضاً هذا صحيح، واحدة مِن زاوية الفعل، والثانية من زاوية الكسب، فالشر من أنفسنا كسباً، ومِن الله فعلاً، عندما يمسك الطبيب المِشرط يكون المريضُ ابنَه، كلّه رحمة، ويفتح البطن، وتنفر الدماء، ويشدُّ الجلد، ويذبح العضلات، إلى أن يصل إلى الزائدة الدودية فيستأصلها، هذا فعْلِ مَن؟ فعلِ الأب بسبب التهاب الزائدة، بسبب أخطاء ارتكبها الابن، هناك أخطاء كثيرة بالمطعومات تُسبب التهاب الزائدة، فأخطاء الابن في تناول المطعومات سبَّبَتْ التهاب الزائدة، أما الذي فتح البطن فهو الأب، هذا معنى الركن الخامس من أركان الإيمان، والإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى، إذاً: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ .
 

العفو الإلهي عن المذنب التائب يدخل في بحث الفضل:


الحديث الصحيح الذي قلته قبل قليل صيغته كما يلي: ((لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لا وَلا أَنَا، إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ)) .

((   وعَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إلا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا. ))

[ متفق عليه ]

ورد: ما من عثرة، ولا اختلاج عِرق، ولا خدش عود، إلا بما قدمت أيديكم، وما يعفُو الله أكثر.
عندنا ملاحظة ثانية معلقة بموضوع الفضل والعدل، الخير فضل والشر عدل، أحياناً يكون الفضل في العفو عن الشر، رجل له جاهلية جهلاء، وله معاصٍ كثيرة، وله عدوان، وله كسب مالٍ بالحرام، وله من المعاصي ما لا يُحصى، تاب إلى الله، توبة نصوحة، قال: يا رب، لقد تبت، فيقول الله عزّ وجل: وأنا قد قبلت، يأتي فضل الله ليمحُوَ عنه كل هذه الذنوب،

(( عن أنس بن مالك قال اللهُ تعالى: يا بنَ آدمَ! إِنَّكَ ما دَعَوْتَنِي ورَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لكَ على ما كان فيكَ ولا أُبالِي يا بنَ آدمَ! لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنانَ السَّماءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لكَ ولا أُبالِي، يا ابنَ آدمَ! لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأرضِ خطَايا ثُمَّ لَقِيْتَني لاتُشْرِكْ بِيْ شَيْئَا لأتيْتُكَ بِقِرَابِها مَغْفِرَةً. ))

[ صحيح الترغيب حسن لغيره أخرجه الترمذي  ]

 قال تعالى:

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)﴾

[ سورة الزمر ]

إذا تاب العبد توبة نصوحاً أنسى الله حافظيه، والملائكةَ، وبقاعَ الأرض كلها خطاياه وذنوبَه، إذا قال العبد: يا رب وهو راكع قال الله: لبيك يا عبدي، إذا قال: يا رب لبيك وهو ساجد أجابه الله عز وجل: لبيك يا عبدي، فإذا قال العبد: يا رب وهو عاصٍ، قال الله عزّ وجل: لبيك، ثم لبيك، ثم لبيك، هذه يعرفها الأب أحياناً، يكون عنده ثلاثة أولاد، اثنان منهم متفوقان ومهذبان، يوجد واحد سيئ، عاق، شقي، بعيد، إذا شعر الأب مِن هذا الابن الثالث البعيد بادرة عودة، بادرة توبة، بادرة صلاح، بادرة إقبال، هشّ له وبش، وأكرمه إكراماً مفاجئاً يزيد عن إكرام الاثنين الأولين، لأنه صار هناك عملية إنقاذ، فالفضل الإلهي إذاً في الخير، وفي العفو عن الشر، أمّا إذا أصرّ العبد على المعصية عندئذٍ يستحق العقاب بمحضِ العدلِ.
 

تتمة السنن الإلهية من القرآن الكريم المتعلقة باليوم الآخر:

 

أدنى الجزاء على الحسنة عشرة أمثالها وأعلى جزاء على السيئة مثل واحد:

القانون الرابع، أدنى الجزاء على الحسنة عشرةُ أمثالها، وأعلى الجزاء على السيئة مثلها، أعلى عقوبة ينالها العبد على معصيته أن يكون العقاب مكافئاً لمعصيته تماماً من دون زيادة، أحياناً الإنسان يردّ على الصاع صاعين، يردّ على مخالفة يسيرة بعقاب أليم، ليس هذا مِن شأن الله عزّ وجل، قوله تعالى:

﴿ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (160)﴾

[ سورة الأنعام ]

أدنى جزاء الحسنة عشرة أمثالها، وأعلى جزاء السيئة مثل واحد، فالسيئة جزاؤها بمثل واحد، بينما الحسنة الحد الأدنى لجزائها عشرة أمثال، يقال إن شخصاً عنده قطعة قماش قدمها لشخص أحوج منه، طُرِق الباب -هذه قصة رمزية، قد تكون تركيبة لكنها معقولة-جاءت مجموعة أقمشة من نفس النوع، فالابن سحب واحدة خبأها لنفسه، قال: يا والدي بعثوا تسع قطع؟ فقال له الأب: لا عشرة التي أخذتها زيادة أرجعها، هو أعطى قطعة يجب أن يأتيه عشر قطع، هذا بالقرآن الكريم وارد، أي عمل تفعله المكافأة عشرة أمثال، الحد الأدنى، لكن ولا حد لأكثره، والدليل قوله تعالى:

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261)﴾

[ سورة البقرة ]

سبعة في مئة سبعمئة، أقله عشرة أمثال ولا حدّ لأكثره، قال تعالى:

﴿ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (25)﴾

[ سورة الشورى ]

هذا أيضاً دليل على أنه من الفضل الإلهي العفو عن السيئات وقبول التوبة، أحياناً الإنسان يندهش يجد شخصاً ماله حرام، أعماله سيئة، مستعل، مستكبر، مؤذ، ويزداد قوة وغنىً وشأناً، هذا جزاؤه مُؤجّل، يأتي مؤمن يرتكب أدنى مخالفة جزاؤه مُعَجل، لذلك في بعض الأحاديث: إذا أحبّ الله عبده عجّل له بالعقوبة وإذا أهمله أخّرها له، لذلك ربنا عز وجل قال: 

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)﴾

[ سورة الأنعام  ]

إذا رأيت الله عزّ وجل يُتابع نِعمه عليك وأنت تعصيه فاحذره، هذا القانون الجزاء المُعجل والجزاء المُؤجل نأخذه في الدرس القادم إن شاء الله تعالى، وهناك نِعَمُ الجزاء، والابتلاء، والاستدراج، ومصائب الجزاء، والابتلاء، والتربية، وهناك الجزاء المُؤجّل، ومراحله الثلاثة ما بعد الموت، وما قبل دخول الجنة، ودخول الجنة، ثم المسؤولية، والبحث يحتاج إلى دروس عديدة، لأنه بحث مهم جداً، وهذا كله تمهيد للإيمان باليوم الآخر.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

إخفاء الصور