وضع داكن
30-08-2025
Logo
مدارج السالكين - الدرس : 096 - استنباطات لموضوع العبادة - العلاقة بين الكليات والجزئيات
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 

العبادة علة وجود الإنسان على الأرض: 


أيها الإخوة الكرام؛ مع الدرس السادس والتسعين من دروس مدارج السالكين، في منازل إيّاك نعبد وإيّاك نستعين، والدرس اليوم استنباطات عديدة من موضوع العبادة، كيف لا ومحور كل هذه الدروس مدارج السالكين في منازل إيّاك نعبد وإيّاك نستعين.
كلكم يعلم أن علة وجودنا في هذه الدنيا عبادة الله، والمؤمن لا يقبل شيئاً إلا بالدليل، ولا يرفض شيئاً إلا بالدليل، ولعل هذا مستنبط من قوله تعالى: 

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)﴾

[ سورة يوسف ]

فمعنى قول الله: ﴿على بصيرة﴾ أي بالدليل والتعليل، ذلك أن الله رب السماوات والأرض، حينما أمرنا أن نصلي قال: 

﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45)﴾

[ سورة العنكبوت  ]

الله قدَّم التعليل، وحينما قال لنا:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)﴾

[ سورة التوبة ]

جاء التعليل تطهرهم وتزكيهم، وحينما قال الله عز وجل: 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)﴾

[ سورة البقرة ]

فحينما لا تقبل شيئاً إلا بالدليل، ولا ترفض شيئاً إلا بالدليل، وقد قال بعضهم: لولا الدليل لقال من شاء ما شاء، لك أن تقول: كلُّ أبنية دمشق ملكي، ولكن من دون دليل، لولا الدليل لقال من شاء ما شاء.
إذًا ربُّنا عز وجل أمرنا أن ندعو إلى الله على بصيرة: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ إذًا علة وجودنا على وجه الأرض أن نعبد الله، والعبادة كما أذكر دائماً: هي طاعـة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تُفضي إلى سعادة أبدية.
 

الكليات في الدين: 


يا أيها الإخوة؛ لابد من وقفة متأنية عند التفوُّق والتطرف، التطرف أن تأخذ ناحيــة من نواحي الدين وتُكبِّرها وتجعلها الدين كله، هذا تطرف، أما أن تتحرك مع كل كليات الدين حركة متوازنة، هذا هو التفوق، فمن خلال هذا التعريف البسيط طاعة طوعية، ممـزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، اسأل نفسك هذا السؤال: هل عندك نشاط تعلُّمي ونشاط سلوكي ونشاط جمالي؟ أنت في هذه الأرض من أجل أن تعبد الله، وفي عبادة الله كلِّيات ثلاثة؛ كلية معرفية وكلية سلوكية وكلية جمالية، فالكلية المعرفية هل تطلب العلم؟ ورد في بعض الأدعية أن: لا بورك لي في طلوع شمس يوم لم أزدد فيه من الله علماً، ولا بورك لي في طلوع شمس يوم لم أزدد فيه من الله قربًا، والمغبون من تساوى يوماه، ومن لم يكن في زيادة فهو في نقصان، أنت لو توقفت الركبُ يمشي، إذًا أنت متأخر، ليس التأخر أن ترجع إلى الوراء، التأخر أن تبقى واقفاً، والركب يمشي.
إذاً أيها الإخوة؛ اسأل نفسك هذا السؤال؛ العبادة فيها ثلاث كليات؛ كلية معرفية، كلية سلوكية، كلية جمالية، الكلية الجمالية؛ الله جلّ جلاله أصل الجمال، كلُّ شيء تراه جميلاً في الكون له مسحة من الله، المنظر الجميل، الورد الجميل، الشاطئ الجميل، الجبال الرائعة، هذه أخذت مسحة من جمال الله فدُهشت بها فكيف لو اتصلت بأصل الجمال؟ 
أيها الإخوة؛ الله عز وجل جعل الصلاة قرة عين، جعل الصلاة قربة، الآية الكريمة:

﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14)﴾

[ سورة طه  ]

﴿ كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)﴾

[ سورة العلق ]

ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها، إذاً الصلاة والاتجاه إلى الله مع الدعـاء، ومع الاستغفار، ومع التهليـل والتكبيــر، مع الأذكار النبوية، الصلاة والأذكار، هذا قسم جمالي في الدين، والحركة اليومية السلوك هذا قسم سلوكي، وطلب العلم قسم معرفي، فأنت حينما تطلب العلم، وتتحرك وفق منهج الله، وتسعى أن تتصل بالله فقد تفوقت، لأنك تحركت على الخطوط الثلاث معًا، طلبت العلم، وتحركت وفق منهج الله، وأردت أن تسعد بقربك من الله، هذه هي العبادة.
العبادة أيها الإخوة؛ هي سرُّ وجودنا على وجه الأرض، علة وجودنا، الآن ما الذي يصحِّح مسارنا؟ عقيدتنا، أو كما يُقال: تصوراتنا الصحيحة عن الكون والدنيا والإنسان. 

الفرق بين المؤمن وغير المؤمن:


أنا في طريقي إليكم أردت أن أعالج هذه القضية أي ربط الكليات بالجزئيات، أنت ذهبت إلى الفراش لتستلقي، قُرع الباب، جاء إنسان يطلبك، أنت بإمكانك أن تعتذر عن أن تقابله أو أن تُلبّي رغبته، إذا كان إيمانك بالآخرة كبيراً، وأنك مخلوق للعمل الصالح، وأن العمل الصالح هو أكبر ثمرة في الدنيا، وأن العمل الصالح ثمن الجنة، وأن الله يرضى عنك إذا خدمت عباده، وأنك إذا أردت أن تتصل بالله فالعمل الصالح أكبر وسيلة، قال تعالى: 

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)﴾

[  سورة الكهف ]

تنهض وتُلبّي حاجة هذا الطارق، وتضحِّي براحتك واستلقائك واستجمامك، أما إذا كانت هذه المعاني ليست واضحة تغضب أشدّ الغضب من هذا الذي جاء ليقلق راحتك، فأيّ تصرف يفعله الإنسان فهو انعكاس لفهمه للحياة، مثلاً الإنسان لو أنه لم يؤمن بالآخرة يرى الفلاح في الأخذ لا في العطاء، والفلاح في الراحة لا في بذل الجهد، والذكاء في استهلاك جهد الآخرين لا في خدمتهم، والذكاء في الانغماس بالملذات، لا التعفف عن الموبقات، لو أنه آمن بالآخرة ينعكس الميزان انعكاسا كلياً، يرى الذكاء في إنفاق المال لا في أخذه، يرى الذكاء في بذل الجهد للآخرين لا في استهلاك جهدهم، يرى الذكاء في التواضع لهم لا في الاستعلاء عليهم، يرى الذكاء في خدمتهم لا في استخدامهم، لذلك ترى بونًا شاسعاً بين المؤمن وبين غير المؤمن، المؤمن في خدمة الخلق وغير المؤمن الخلقُ في خدمته، المؤمن يعطي وغير المؤمن يأخذ، المؤمن يتواضع وغيره يستعلي، المؤمن يصبر وغيره يفجُر، أي علاقة الجزئيات بالكليات، إن كانت عقيدتك صحيحة، وفهمك عن الله صحيح، وكان تصوُّرك لحقيقة الكون والحياة والإنسان صحيحاً، هذا الفهم الدقيق ينعكس سلوكاً قويماً، لو أن الإنسان يمشي في الطريق، ومرّت أمامه امرأة بارعة الجمال، فالمؤمن يرى فلاحه في غضِّ البصر عنها، وغير المؤمن يرى أن يملأ عينيه من محاسنها هو الفلاح.
 

الفرق بين حضارة الغربيين وحضارة المسلمين:


سيدنا يوسف، ما الذي جعله سيدنا يوسف؟ لأنه مَلَك نفسه، قال تعالى:

﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)﴾

[ سورة يوسف ]

من أروع ما قرأت عن هذه الآية أن المُلك الذي ذُكِر في هذه الآية ليس أنه حكم مصر؛ أيُّ إنسان تولّى شؤون بلد يقول لك: وأنا آتاني الله المُلك، لكن هو المُلك أنه مَلَك نفسه عند الشهوة، هذه هي البطولة، ذلك أن حضارة الغربيين سيطرةٌ على الطبيعة، بينما حضارة المسلمين سيطرة على الذات، قال بعض زعمائهم عقب الحرب العالمية الثانية: ملكنا العالم ولم نملك أنفسنا. 
 

معرفة الله عز وجل أساس صحة العمل: 


أردت في هذا الدرس أن أربط بين كليات الديـن وجزئياته، أنت حينما تدخل إلى البيت، وحينما تجد شيئاً مزعجاً، إذا كان فهمك للحياة عميقا تُقَلِّد رسول الله صلى الله عليه وسلم في حلمه وفي صبره، أما إن لم يكن فهمك عن الحياة، ولا عن الزواج، ولا عن مهمتك في الحياة صحيحاً تنفجر، لماذا انفجر هذا وصبر هذا؟ لماذا أعطى هذا ومنع هذا؟ لماذا بحلَقَ هذا وغضّ هذا؟ لماذا تكلم هذا وسكت هذا؟ التكلم والسكوت أساسه تصور، الغضب والحلم أساسه تصور، صحيح أو غير صحيح، المنح أو الأخذ أساسه تصور، فيجب أن تعلم أنه كلما تعمّق فهمك لحقائق الكون ولحقائق الدين انعكس هذا الفهم سلوكاً صحيحاً هو ثمن الجنة، وكلما ابتعد الإنسان عن حقائق الدين سلك سلوكاً بهيمياً، لذلك أساس صحة العمل معرفة الله عز وجل.
 

متى يسير العبد على غير هدى من الله؟ 


أيها الإخوة؛ لأوضح لكم، إنسان ذهب إلى بلد غربي، نزل في أحد الفنادق، ونام الليلة الأولى، واستيقظ صباحاً، وتناول طعام الفطور، وارتدى ثيابه، وقال: إلى أين أذهب مثلاً؟ تسأله أنت: لماذا جئت إلى هنا؟  تقول له: إن جئت إلى هنا طالب علم اذهب إلى الجامعة، وإن كان تاجراً اذهب إلى الأسواق، وإن كان سائحاً اذهب إلى المقاصف، هذا الذي جاء لهذا البلد كيف يصحّ عمله؟ إذا عرف سرَّ وجوده، الناس يمشون بطرق مسدودة، يتوهم أن المال كل شيء، فينكب على جمعه، وكسبه من طريق مشروع أو غير مشروع ، من طريق حلال أو حرام، من طريق أو آخر، إلى أن يُجمِّع ثروة طائلة، حينما يبدأ يستمتع بهذا المال تكون صحته قد تراجعت، فيحتقر المال ويحتقر هذه الحياة الدنيا، معنى ذلك أنه يمشي على غير هدى من الله.
 

أوهام السعادة التي يعيشها العبد الشارد عن الله:


ذكرت لكم من قبل أن الأجانب الغربيين يرون أن اللذة لابد لها من ثلاثة شروط، من شرط المال والصحة والوقت، ومع الإنسان التائه الشارد في أيّة لحظة من حياته يفقد أحدها، ففي شبابه يتوافر له الصحة والوقت، ويفتقد المال، إذًا لا يُتاح له أن يستمتع بالحياة، في مرحلة ثانية يتوافر له المال والصحة، لكنه ليس عنده وقت، إذًا لا يتاح له أن يستمتع بالحياة، في المرحلة الثالثة يتوافر المال والوقت ولكن لا يوجد صحة، إذًا الذي شرد عن الله يعيش في أوهام السعادة، أو يعيش في سراب السعادة، أو يعيش كما يسعى الحمار إلى الفجلة التي أمامه والمسافة بينه وبينها ثابتة، قصة مشهورة جداً، إنسان ركب حماراً ومسك عصا وضع في نهايتها فجلة، والحمار يركض ليأكلها، والمسافة ثابتة بينهما. 
 

السعادة الحقيقية:


أما لو أنه عرف الله، لقال لك: السعادة الحقيقية تحتاج إلى معرفة بالله، وطاعة له، وخدمة لخلقه، وهذه الثلاثة متوافرة دائماً، أنت شاب، وأنت كهل، وأنت شيخ، بإمكانك دائماً أن تعرف الله، وأن تستقيم على أمره، وأن تُسعد خلقه، فأنت في سعادة دائمة.
وذكرت أيضاً أن هذه السعادة التي هي روح حياة المؤمن تنبع من داخله ولا تنبع من خارجه، ولا تأتي من خارجه، هو يملكها، كل واحد منا يملك أسباب سعادته، بصرف النظر عن عمره، وعن دخله، وعن ثقافته، وعن صحته، وعن مكانته، وعن دوره الاجتماعي، السعادة أن تصل إلى الله، بينما اللذة إلى أن تصل إلى جزء منها يكون قد مضى الخمسون عاماً، نحن الآن بحياتنا المعاصرة المعقدة حتى الإنسان يرتاح، له بيت وزوجة ومركبة، وآكل، شارب، نائم مرتاح، لا يوجد أقل من أربعين أو خمسين سنة، حتى يستقر، يكون له بيت، يكون سيد عمله، لا يكون موظفاً تحت إمرة إنسان قاس، سيد عمله، وله بيت، وله زوجة، هذا يحتاج إلى أربعين خمسين سنة، ما الذي بقي من الحياة؟
 

الحركة التي تنتج عن المؤمن نتيجة رؤيته الصحيحة للدين:


أيها الإخوة؛ لازلت أؤكد على أن محور هذا الدرس العلاقة بين الكليات والجزئيات، العلاقــة بين صحة العقيدة وبين حسن التصور، و بين حسن الفهم وبين الحركة اليومية، وقد لا تُصدِّق أنك إذا رأيت حجراً في الطريق أن تزيحه أو أن تدعه متعلِّق بعقيدتك.
تجد إنساناً يركب مركبته في طريق سفري، يرى حجراً كبيراً، سائقو الشاحنات أحياناً يضعون هذا الحجر وراء إحدى عجلات المركبة لتُقلع، يُقلع ويدعه، حجر كبير، لو لم ينتبه إليه أحد السائقين لارتكب حادثاً كبيراً، تجد رجلاً مؤمناً يقف وكان يمشي على المئة والعشرين، يقف ويزيح هذا الحجر، هذا التصرف الجزئي متعلق بعقيدته، لو تتبعت حركتك اليومية تجد وأنت في البيت موقفك من زوجتك، موقفك من أولادك، موقفك من طارق البيت، موقفك من أي إنسان، سرت في الطريق، نظراتك، سمعك، بصرك، مطالعاتك، تُطَالع مقالة توازنها مع كلام الله ومع سنة رسول الله ترفضها، عندك ميزان ثابت تقبل به وترفض به، ذهبت إلى عملك، قد يأتيك إنسان ليشتري وهو جاهل، تُنوِّره، تبين له، أما إنسان ليس له عقيدة صحيحة، يقول لك: لبسناه البضاعة، بيعة مرتبة، زبون غشيم، إذا كان مع أحدهم مال يتيم، إذا عقيدته صحيحة هذا اليتيم دفع له نصف مليون ليرة، إذا شخص جاهل ماله الشخصي يضعه في صفقات رابحة، صفقات ثابتة، لكن مال اليتيم يجسّ به نبض السوق، يبحث عن صفقة غريبة يقول لك: إذا رَبِحَت أنزل مالي، وإذا ما ربحت أقول له: هذا ترتيب سيدك، لا يوجد نصيب، هو ماذا فعل؟ جعل مال اليتيم حقل تجارب لتجارته، جعل مال اليتيم دريئة لماله، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ولا تجعل مالك دون ماله، لا تجعله حقل تجارب، فتجد المؤمن في أدق حركاته التجارية،  حتى في أفراحه، حتى في أتراحه، حتى في سفره، حتى في إقامته، في كل نشاطاته، كلِّياته تتحكّم بجزئياته، الإنسان له حركة باليوم، يستيقظ، يستيقظ المؤمن، ماذا فعل النبي عندما استيقظ؟ قال:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ عَنْ فِرَاشِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ، فَلْيَنْفُضْهُ بِصَنِفَةِ إِزَارِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَإِنَّهُ لا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ بَعْدُ، فَإِذَا اضْطَجَعَ فَلْيَقُلْ: بِاسْمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبِي، وَبِكَ أَرْفَعُهُ، فَإِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ، فَإِذَا اسْتَيْقَظَ فَلْيَقُلْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي فِي جَسَدِي، وَرَدَّ عَلَيَّ رُوحِي، وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِه. ))

[ صحيح مسلم ]

معنى ذلك أن الله سمح لك بيوم جديد، ((عَافَانِي فِي جَسَدِي)) الأجهزة بأعلى درجة، ((وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِه)) .
 

قصة تائبة:


إنسانة تعمل في الفن، تابت إلى الله، قالت: دخلت؛ أول ليلة تابت بها قامت على صلاة الفجر، بعد أن كانت عمرها كله تدخل بيتها بعد أذان الفجر، شتان بين من يستيقظ ليصلي الفجر وبين من يأتي بيته وهو في معصية بعد الفجر، قالت: ما من ليلة نمت إلا بمنوِّم، وبعد أن تبت إلى الله نمت كالطفل الصغير، في نوم عميق.
أنت هل تعرف أن هذا الإنسان حينما يكون مستقيماً ولم يتعلق به حقّ أحد كيف ينام؟ ينام نوماً عميقاً، نوماً مريحاً، أما هذا الذي لا ينام لعل فطرته تُؤنِّبه، حدّثني أخ كان في ألمانيا، نزل في أحد فنادقها، وجد كلمة كُتبت على طرف السرير: إذا لم تنم وتقلبت في فراشك، ففرشنا وثيرة، ولكن العلة في ذنوبك، الإنسان حينما يأوي إلى الفراش، وقد بنى ماله على إفقار الآخرين، أو بنى سعادته على شقاء الآخرين تؤنّبه فطرته. 

السلامة والسعادة مطلبان ثابتان لكل إنسان:


يا أيها الإخوة؛ حقيقة يجب أن تكون واضحة جداً، السلامة والسعادة مطلبان ثابتان لكل إنسان كائناً من كان، مسلم غير مسلم، مثقف غير مثقف، غني فقير، السلامة والسعادة، السلامة في طاعة الله، والسعادة في القرب منه، ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾ الآن أنت حاول أنا ذكرت مرة أن الله عز وجل حينما قال: 

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63)﴾

[ سورة الفرقان ]

لو قرأت السنة لفوجئت:

(( عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلا بِالْقَصِيرِ، ضَخْمُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَـةِ، شَثْنُ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ، مُشْرَبٌ وَجْهُهُ حُمْرَةً، طَوِيلُ الْمَسْرُبَةِ، ضَخْمُ الْكَرَادِيسِ، إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ تَكَفُّؤًا، كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ، لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلا بَعْدَهُ مِثْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ))

[ تخريج المسند لشعيب: حسن لغيره ]

والسيدة عائشة تقول: رحِم الله عمر، ما رأيت أزهد منه، كان إذا سار أسرع، وإذا أطعم أشبع، إذا قال أسمع، وإذا ضرب أوجع، كيف نوفّق بين الآية وبين هذين النصين من السنة؟ لعل علماء التفسير حينما فسَّروا هذه الآية قالوا: يمشي هونــاً؛ أي لا يسمح لهموم الدنيا أن تستهلكه، الإنسان من همٍّ لهمّ، من مشكلة لمشكلة، من قضية لقضية، من أزمة لأزمة، إلى أن يأتيه ملَك الموت، ما استعدّ للموت، ولا استعدّ للآخرة، ما معنى ذلك؟ الحياة قد استهلكته، أنا والله الذي أراه معظم الناس تستهلكهم هموم الحياة، يقول لك: نعيش بقسوة، لا يوجد عنده وقت يفكّر بسرّ وجوده، من أنا؟ أنت المخلوق الأول، أنت المخلوق المكرّم، المخلوق المكلف، قال تعالى:

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13)﴾

[ سورة الجاثية ]

الكون كله مسخّر لك، وأنت الإنسان الذي قَبِل حمل الأمانة، والإنسان الذي خُلِق ليعبد الله عز وجل، اسأل: من أنا؟ اسأل: لماذا أنا في الدنيا؟ اسأل: ما الشيء الذي ينبغي أن أفعله؟ ألم تقرأ قوله تعالى:

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)﴾

[ سورة الكهف ]

تجده يعمل ليلاً نهاراً، قال تعالى: 

﴿ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51)﴾

[ سورة المدثر ]

ثم يُفاجأ بالموت، من بيت ثمنه مئة مليون إلى قبر في باب صغير، والله مشكلة، نقلة كبيرة جداً، من بيت قصر في أرقى أحياء دمشق إلى قبر، ما هذه الحياة؟
 

عمل الإنسان خاسر إذا لم يكن صالحاً:


مرة أحد إخواني الكرام قال لي: لمعلمه في العمل، له أخ توفي، مقيم في بلد عربي، جاء إلى تركيــا ليمضي إجازة، فوافته المنية بالفندق، قال لي: ترك هذا الرجل أربعة آلاف مليون، وأقام في السعودية، ما صلّى فرض صلاة، ولا أدّى حجاً ولا عمرة، كان شارداً عن الله، وافته المنية وهو يملك هذه الثروة الطائلة، القلب توقف، خسر كل شيء، كل شيء جمعه في عمر مديد خسره في ثانية واحدة، الإنسان ألا ينبغي أن يقف، من أنا؟ أنا من؟ لماذا أنا في الدنيا؟ ماذا ينبغي أن أفعل؟ اسأل إنساناً جاءه ملك الموت ماذا يقول؟ القرآن يقول: 

﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)﴾

[ سورة المؤمنون ]

لكن ولا مرة يقول الواحد: يا رب حتى أصبّ السقف، ما أحد قالها، يا رب البضاعة بالجمرك، فقط لأخلصها، حتى أبيع المحل، ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ*لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾ معنى أنت سرّ وجودك هو العمل الصالح، إذا هناك نشاط لا يتصل بالعمل الصالح خسارة.
 

مضي الزمن وحده يستهلك الإنسان والوقت وعاء العمل:


الله عز وجل قال: 

﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)﴾

[ سورة العصر ]

تصور إله يقسم يقول لك: أنت أيها الإنسان خاسر، خاسر لا محالة، يا رب لماذا أنا خاسر؟ لأن مضي الزمن وحده يستهلك الإنسان، سوف ترى بعد حين أن أثمن شيء تملكه على الإطلاق هو الوقت، الوقت وعاء عملك، وهناك دليل قوي جداً لو إنسان لا سمح الله ولا قدر أُصيب بمرض عضال، يحتاج لعملية بأمريكا، تكلِّف أربعة ملايين، ثمن بيته أربعة ملايين، لا يتردّد ثانية واحدة في بيع بيته واستئجار بيت سياحي وإجراء العملية، حلل القصة تحليلاً، لماذا فعل هذا؟ لأنه هو يرى أن يعيش سنوات معدودات زيادة أفضل من هذا البيت الذي يمكله، إذًا الإنسان مركّب بأعماقه أن الوقت أثمن من المال، انظر إلى إنسان أمام حاوية، مسك مئة ألف ليرة وأحرقها، بماذا تحكم على عقله؟ مجنون، مستحيل يكون إنساناً عاقلاً يُمسك مئة ألف ولو كان غنياً يُحرقها.
 

الفرق بين من يختار الدنيا وبين من يختار الآخرة:


مرة ضربت مثلاً طريفاً، هناك ألماسة شاهدتها في استانبول في متحف قال: ثمنها مئة وخمسون مليون دولار، فعلاً بحجم البيضة، موضوعة على قماش أخضر، وعليها إضاءة شديدة، كأنهــا شمس، لو فرضنا وضِعت على طاولة، وُضِع إلى جانبها كأس كريستال ثمنه ألف ليرة، جانبها مرطبان أزرق، ثمنه عشرون ليرة، قيل لك: اختر واحدة منهم، وأنت مخير تأخذ هذه أو هذه أو هذه، لا، هذه أكبر شيء، فاختار هذا، والله مع أنه مثل مضحك والله لا أبالغ أن الذي يختار الدنيا فقط ويعصي الله أحمق من هذا الإنسان، ممكن تملك مئة وخمسين مليون، حجمها صغير، هذه ألف، هذا عشرون ليرة، فنظر إلى الحجم، ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ إذاً المثل الأول أنه أساء الاختيار، والمثل الذي قبله، قبل هذا المثل ذكرت مثلاً آخر؛ فإنسان أحرق مئة ألف ألا تحكم عليه بالجنون؟ الآن دقق، هذه تمهيد،  أحرق مئة ألف فحكمت عليه بالجنون، إذا كان أنفق وقته في لعب النرد، قلت أنا قبل قليل: الوقت أثمن من المال، فالذي يُتلف ماله يُحكَم عليه بالسفه، ويُحجـر على تصرفاته، والذي يُنفق وقته سدًى، تابع مسلسلاً، أنت ناقصك هموم تحمل هموم الممثلين؟ لست بحاجة إلى هموم جديدة، لست بحاجة إلى إثارة، فهذا الذي يُمضي وقته في متابعة المسلسلات، أو في لعب النرد، أو في الغيبة والنميمة، أليس ينفق وقته جزافاً؟ الذي أحرق المئة ألف اتهمته أنت بالجنون، والذي أتلف وقته؟! مرَّ أحد العلماء أمام مقهى يلعب رواده النرد، فقال: يا سبحان الله! لو أن الوقت يُشترى من هؤلاء لاشتريناه منهم.
 

من صحت عقيدته صحت تصوراته:


أرجع إلى محور الدرس، كلما صحّت عقيدتك كلما أدركت من أنت، صحت تصوراتك، كلما ازداد يقينك بالدار الآخرة ينعكس هذا على حركتك اليومية، ينعكس على نظرتك، ينعكس على استماعك، ينعكس على لسانك، المؤمن يلغي ألف قصة، يتكلم بقصة، هذه لا تفيد، هذه تعمل تفرقة، هذه القصة تعمل مثلاً حزناً، رجل ميسور الحال سافر ورجع، جاء أقرباؤه لزيارته، له قريب موظف، أخوه الصغير دخله محدود، ابن عمه موظف، نزلنا في فندق كلفني ثمانين ألفاً مدة أربع ليال، ذهبنا إلى المحل الفلاني، هذا الكلام ما فائدته؟ تتباهى بدخلك الكبير، بإنفاقك العالي، أنت كسرت قلبه، فلما يعرف الإنسان سرّ وجوده في الحياة هناك رقابة ذاتية عالية جداً، فيضبط كلامه، تجد المؤمن محبوباً، المؤمن يتمنى هداية الخلق، لأنه هو بالتعبير الحديث استراتيجيته العمل الصالح، العطاء، حتى لو حاور، إذا ينصح ينصحُ على انفراد، أما ذكرت بالخطبة يوم الجمعة الفرق بين النصيحة والفضيحة، الفضيحة أمام ملأ، أما النصيحة على انفراد، هدفه أن يأخذ بيد الأخ، ليس هدفه أن يحرجه، الكافر هدفه يحرج، عنيف، المؤمن رفيق، وقد قال عليه الصلاة والسلام،

(( عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَا كَانَ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلا زَانَهُ، وَلا عُزِلَ عَنْ شَيْءٍ إِلا شَانَهُ. ))

[  صحيح الجامع ]

وأنت بعملك التجاري، تأتيك صفقة رابحة جًدا، لكن لا ترضي الله، لعلها بضاعة لا ترضي الله، تجده رفضها، أما غير المؤمن لا يرفضها، بالعكس يتهم من رفضها بالجنون، فالعبرة أن تُكَوِّن قناعات صحيحة، وعقيدة صحيحة، وتصورات صحيحة عن الكون والحياة والإنسان، تجد أن هذا الفهم العميق والعقيدة المتينة انعكست سلوكاً قويماً في حياته، وهذا السلوك القويم هو ثمن الجنة.
 

طاعة الله هي المخرج للإنسان من هذه الحياة المعقدة في هذا العصر:


بالمناسبة قال تعالى: 

﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)﴾

[ سورة البقرة ]

انتهت الآية.

﴿ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220)﴾

[ سورة البقرة ]

هذه الآية بسورة البقرة، يوجد آية جديدة تبدأ ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ يا ترى تتفكرون في الدنيا والآخرة أم يبين الله لكم آياته في الدنيا والآخرة؟ حتى المؤمن له معاملة خاصة، قال تعالى:

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾

[ سورة الجاثية ]

ذكرت اليوم في درس الظهر أن الإنسان في هذا العصر عليه مئة ألف سيف مُسلّطة، أحدها سيف الأمراض، من يضمن ليوم قادم أن تعمل أجهزتــه عملاً سليماً؟ لا أحد يضمن، هناك أمراض مخيفة، هناك أمراض عضالة، هناك أمراض مميتة، من يضمن سلامته من حادث سير؟ من يضمن أن يقع في ورطة وهو بريء منها؟ طبيعة العصر الحياة معقدة جداً، معنى ذلك يوجد ألف سيف مسلطة عليك، معنى ذلك أن الإنسان محطم نفسياً، الإنسان قَلِق، هذا ما عبّر عنه الأطباء الشدّة النفسية، ضغط شديد، اسمع ما قال النبي عليه الصلاة والسلام:

(( عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلا مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ، فَقَالَ: يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَل، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَل، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ ولا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً قَالَ: يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: أَلا يُعَذِّبَهُمْ. ))

[ صحيح البخاري ]

هذه يطيعوه، ثم سأله: ((مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ)) سأله ثانية وثالثة ثم قال عليه الصلاة والسلام: ((قَالَ: أَلا يُعَذِّبَهُمْ)) اسمع الحديث أنت واطمئن، أنا يا رب عليّ أن أطيعك، عليّ أن أعبدك، عليَّ ألا أخالف أمرك، والباقي عليك، أن تحفظني، أن ترحمني، أن تُسدد خطاي، أن تُلهمني رشدي، أن ترزقني رزقاً حلالاً، أن ترزقني زوجة صالحة، أن ترزقني أولاداً أبراراً، أن تُسعدني بقربك، أنت عليك شيء، قال تعالى: 

﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66)﴾

[ سورة الزمر ]

 

المؤمن ذكي يعرف كيف يستغل حياته الدنيا:


ذكرت طرفة، طالب قوي بالجبر ضعيف بالهندسة، قال: يا رب الجبر عليّ والهندسة عليك، فرسب بالاثنتين، بالامتحان الثاني قال: يا رب الجبر والهندسة عليك، الإنسان أحياناً يعتدّ بقوته فيؤدِّبه الله، فالإنسان حينما يكون مع الله عمله سديد، هذا الذي أردت أن أقوله في هذا الدرس، كلما صحت عقيدتك، وعرفت سرّ وجودك، إنسان سافر إلى بلد، أحضر حاجة كبيرة جداً، وغالية الثمن، ويوجد منها بالشام، يكون أحمق، هناك حاجات غالية جداً، وربحها كثير جداً، وحجمها قليل، أنت جئت إلى الدنيا ماذا فعلت في الدنيا؟ المؤمن عرف أن يستغل حياته الدنيا، معقول الله عز وجل يقسم بعمر إنسان؟ لقد أقسم بعمر النبي، قال تعالى: 

﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72)﴾

[ سورة الحجر ]

لأنه جاء إلى الدنيا ما فرّط بثانية، ولا بدقيقة، ترك الهدى في الأرض، وكل من اهتدى في صحيفته.
 

لا تسمح لهموم الحياة أن تنسيك هدفك الكبير:


كملخص لهذا الدرس أتمنى عليكم مايلي، لا تسمح لهموم الحياة أن تنسيك هدفك الكبير، كنت أقول مرة: إن الذي ليس عنده وقت فراغ ليس إنساناً، يمكن أن يكون لك عمل له دخل كبير، لكنه استغرق كل وقتك، فالعمل الذي يمتص كل وقتك خسارة كبيرة، لأنه ألغى وجودك، ألغى سرّ وجودك في الأرض، هذه أول نقطة، لا تسمح لهموم الحياة أن تلغي هدفك الكبير.
الشيء الثاني لابد من وقفة من حيــن لآخر مع نفسك، كيف كان النبي عليه الصلاة والسلام يتعبد الله في غار حراء، لابد من وقفة متأنية بينك وبين ذاتك، يا تُرى أنا عملي صحيح أم غلط؟ يا ترى هل يرضي الله أم لا يرضي الله ؟ لا تكن متحركاً بفعل التيار، أهل الدنيا ما حجّتهم؟ وجدنا الناس يفعلون هذا ففعلناه، قال عليه الصلاة والسلام:

(( عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تَكُونُوا إِمَّعَةً ، تَقُولُونَ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاؤوا فَلا تَظْلِمُوا. ))

[ الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوزجه ]

أسباب سعادته بيده، سعادته تنبع من طاعته لله عز وجل، لابدّ من طلب العلم، الإنسان إن لم يطلب العلم تحرك كالبهائم تماماً، ولابدّ مع طلب العلم من تحقيق هذا العلم في الحركة اليومية، ولابد من أن تجعل سعادتك بالقرب من الله عز وجل، عن طريق الصلاة والصيام والحج والزكاة.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تُهِنّا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور