وضع داكن
27-02-2025
Logo
العقيدة الإسلامية - الدرس : 44 - الإيمان باليوم الآخر 2- تتمة الحقائق التي ينبغي على الإنسان أن يعرفها عن اليوم الآخر
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 

ملخص الدرس الماضي:


أيها الإخوة المؤمنون؛ مع الدرس الرابع والأربعين من دروس العقيدة.
في الدرس الماضي بيّنا أن بين يدي الإيمان باليوم الآخر مجموعة من الحقائق، هذه الحقائق تتلخص في أن الله سبحانه وتعالى عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال، وأنّ السماوات والأرض والجبال أبيْنَ أنْ يحملنها وأشفقْنَ منها وحملها الإنسان، ومعنى أن الإنسان قد حمل الأمانة أي قَبِلَ أن يصل إلى أعلى مرتبة وُضِعت للمخلوقات، لكنّ هذه المرتبة مرتبة جمالية، إنه أسعد مخلوق على وجه الأرض لو أنه حمل الأمانة كما أرادها الله عزّ وجل.
هذا الإنسان حينما حمل الأمانة سَخَّر اللهُ له ما في السماوات والأرض، وزوّده بعقلٍ كقوة إدراكية، وزوّده بحرية اختيار، وزوّده بقدرة ظاهرة على تحقيق مُراده، وزوّده بفطرة سليمة أعانه بها على اختيار الحق، وخلَق له الكونَ، وأنزل الكتب، وبعث بالأنبياء، وسخّر الدعاة والعلماء، كل هذا من أجل أن يتعرف هذا الإنسان إلى الله عزّ وجل، فإذا عَرَفه عَبَدَه، وإذا عَبَده سَعِد بِقُرْبِه في الدنيا والآخرة، فالقوة الإدراكية تقتضي أن يتعرف الإنسان إلى الله عزّ وجل، لا أن يُسخِّرَها لأهداف رخيصة، والإرادة الحرة مع القدرة الظاهرة على فِعْلِ ما يريد الإنسان، هذا أيضاً يجب أن يكون مُؤدِّياً إلى العبادة الصحيحة، والفطرةُ السليمةُ التي فطرَ اللهُ الناس عليها تقتضي أنْ يُحبوا الله عز وجل وأن يشكروه، هذا ملخص الدرس الماضي.
 

تتمة الحقائق التي ينبغي على الإنسان أن يعرفها عن اليوم الآخر:

 

1- الابتلاء هو علة وجود الإنسان في الكون:

نتابع هذه الحقائق التي لابد مِن عَرْضها بين يدي الإيمان باليوم الآخر، مِن أجل أن يستحقَّ الإنسانُ هذه السعادةَ العظمى يومَ القيامة جَعَلَه في الدنيا مبتلى، ابتلاه ومعنى ابتلاه أي امتحنه، إمّا أن يُؤْثِر رضاءَ الله عزّ وجل، وإمّا أن يؤثِر رضاء الناس، إمّا أن يسعد بإقباله، وإمّا أن يبحث عن لذته، إمّا أن يُؤْثِر جانب الخير، وإمّا أن يُؤثِر جانب الشر، إمّا أن ينطلق من مبادئه، وإمّا أنْ ينطلقَ مِن نزواته، فالإنسان حينما ابتلي في هذه الدنيا وقد بينت لكم في الدرس الماضي الآيات العديدة التي وردت في كتاب الله سبحانه وتعالى، وتؤكد أن العلة الأولى التي خُلِقْنَا مِن أجْلها في هذه الحياة الدنيا هي الابتلاءُ، قال تعالى:

﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2)﴾

[ سورة الإنسان ]

﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2)﴾

[ سورة المُلك  ]

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116)﴾

[ سورة المؤمنون ]

إذاً الابتلاء والنجاح في الابتلاء ثمنُ هذه السعادة العظمى، من أجل أن يُبتلى الإنسان زوّده الله عزّ وجل بأشياء ثنائية، الشيطان يوسوس له والمَلَك يُلهمه، فإما أن ينحاز إلى جانب الشيطان، وإما أن يستجيب للمَلَك، نوازع الخير تدعوه إلى فعل الخير، والشهوات التي أودعها الله فيه تدعوه إلى اقتناص اللذة ولو على حساب الآخرين.
في الحياة إمّا أن يستجيب لعقله وإما أن يستجيب لشهوته، إما أن يستجيب لنداء الرحمن أو أن يستجيب لوسوسة الشيطان، إما أن يُؤثِر الفضيلة وإما أن ينحاز إلى الرذيلة، إما أن يُؤثِر المصلحة وإما أن يُؤثِر المبدأ، فأنت بين المبدأ والمصلحة، بين الحاجة والقيم، بين وسوسة الشيطان ونداء الرحمن، بين نوازع الخير ونوازع الشر، بين العقل وبين الشهوة، بين أن تكون مع الملائكة وبين أن يهبط الإنسان إلى مستوى الحيوان، هذا التنويع وهذا التخيير هو علّة الابتلاء. 

2- توزيع القدرات البشرية تعود إلى عدة معان:

شيء آخر، الله سبحانه وتعالى جلّت حكمته زوّد الإنسان بقدرات متفاوتة، هذا أعطاه ذكاءً، وهذا أعطاه مالاً، وهذا أعطاه قوة عضلية، وهذا أعطاه قوة اجتماعية، وهذا أعطاه قدرة على الإقناع، فصاحةً وبلاغة وإقناعاً، وهذا كان عييًّا، وهذا كان غبياً، وهذا كان ضعيف النفس، هذه القدرات التي مَنَحَها الله لعبادة منحها لهم بشكل متفاوت، لهذا التفاوت تفسيران: أحد هذين التفسيرين أنّ الله سبحانه وتعالى تفَضَّلَ على خلقه ابتداءً بالإيجاد، وتفضّل على خلقه ابتداءً بهذه القدرات الخاصة التي منحهم إياها، فليس للعباد أن يعترضوا على هذه القدرات، لأنها مَحْضُ فضلٍ، هذا تفسير.
تفسير آخر، أنّ الله سبحانه وتعالى حينما نَظَرَ إلى خلقه رأى كل مخلوق له طلب، بحَسَبِ طلبِ هذا المخلوقِ أعطاه القدرات التي تُحَقِّقُ له طلبه، هذا الذكاء، وهذه القوة، وهذا المال، وهذه الملكات والمواهب، هذه كلها وزِّعت بعد أن نظر الله عز وجل إلى خلقه، ورأى مطالبهم، هناك تفسيران إما أنها وزِّعت ابتداءً وهي محض فضل وليس للمرء حقّ الاعتراض لأنه ليس له حق أن يطالب ربه بشيء وقد خُلِق من عدم.
وإما أن الله عز وجل وزّع هذه القدرات المتفاوتة على عباده بحسب مطالبهم، يؤكد هذا قولُه تعالى:

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20)﴾

[ سورة الإسراء ]

أي هذا الذي مُنِح قدرة على الإقناع إنما كانت هذه القدرة تحقيقاً لطلبه، وهذا الذي مُنِح مالاً وفيراً إنما مُنِح هذا المال تحقيقاً لطلبه، ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ .

المسؤولية تكون على قدر ما أوتي صاحبها من قوة وعلم ومال:


لكن المسؤولية على قدر الموهبة، فالفصيح الذي أُوتِيَ فصاحةً وقدرةً على الإقناع، وتَلَكَّأَ في نُصرَة الحق، هذا حسابُه أشدُّ مِنَ الذي لم يُؤْتَ هذه القدرة، والذي أوتي المال العريض، إذا دُعِي إلى فعل الخير واستنكف هذا له مسؤولية أكبر بكثير مِنَ الذي أوتي كفافَ يومه، وهذا الذي أوتي قوة وشأناً في المجتمع بإمكانه أن يقف إلى جانب الضعيف والمؤمن واستنكف له حساب خاص أشدُّ مِن حساب الذي كان في الأرض مستضعفاً، فكل إنسان مُحاسَب، ومسؤول على قدر ما مكَّنه الله في الدنيا، لذلك كان سيدنا عمر رضي الله عنه يقول: لو أنّ بغلة في العراق تعثرت لحاسبني الله عنها، لمَ لمْ تصلح لها الطريق يا عمر؟ ليتني أقدُم على ربي لا لي ولا عليّ، ليت أمَّ عمر لمْ تلد عمر، ليتها كانت عقيمة.
أدرك عِظَم المسؤولية التي تحمَّلها، لأنّ الله عزّ وجل مكّنه في الأرض، فالمسؤولية والتَّبِعَة على قدر التمكين، الذي اطّلع على العلم، وعرف أحكام العبادات، هذا إذا قصّر في أدائها حسابُه أشدّ مِنَ الذي لم يطّلع، إذاً كلما أُوتِيتَ شيئاً يزيد على الآخرين ارتفع مستوى حسابك عند الله عزّ وجل، هذه حقيقة لا شكّ فيها، ممّا يؤكّد هذه الحقيقة أنّ مَن رَزَقَه الله عقلاً وذكاءً كان مسؤولاً عن هذه المنحة بمقدارها، مَن رَزَقَه الله عمراً مديداً كان مسؤولاً عن عمره بمقدار امتداده، مَن حَبَاه اللهُ علماً كان مسؤولاً عن علمه الذي حباه الله إياه على مقداره، مَن آتاه اللهُ قوةً جسمانية وشجاعة كان مسؤولاً عن ذلك بمقدار العطاء الرباني، من آتاه الله ملكاً وسلطاناً كان مسؤولاً عن ملكه وسلطانه بمقدار ما أوتي، وهكذا سائر الهبات، وسائر الملكات، وسائر القدرات، والإمكانات، والاستعدادات، والأهليات، هذه كلها بقدر توافرها تُحاسَب عليها، مِن هنا قال بعض المفسرين:

﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8)﴾

[ سورة التكاثر ]

أيَّةَ منحة مَنَحَك اللهُ إياها سوف تحاسب، هذا المال كيف أنفقته؟ هذه القوة العضلية كيف استهلكتها؟ هذا العقل القوي كيف استخدمته؟ في أي موضوع استخدمته؟ هذا الشأن الاجتماعي ماذا فعلت به؟ هنا المسؤولية، لذلك:

(( عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ به؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاهُ؟ ))

[ صحيح الترمذي ]

هذه المعاني تؤكِّدها بعضُ هذه الآيات، قال تعالى:

﴿ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (17)﴾

[ سورة الفتح ]

وقوله تعالى:

﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (31)﴾

[ سورة الأحزاب ]

إذاً المسؤولية على قدر العطاء، يُحاسبك بقدر ما أعطاك، مِن علم، مِن حكمة، مِن فهم، مِن إدراك، مِن قوة، مِن مال، مِن شجاعة، مِن شأن، مِن تمكين، ويقول الله عز وجل:

﴿ وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (34)﴾

[ سورة الأحزاب ]

أي الشاب الذي ينشأ في بيت علم، يستمع إلى الحق صباحاً مساء، هذا الشاب مُحَاسَبٌ عند الله أكثر مما يُحَاسَب شاب نشأ في بيت الجهل، في بيت الانحراف، فكل ميزة خصّك الله بها يقابلها مسؤولية تزيد بها عن الآخرين، قال تعالى:

﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (7)﴾

[ سورة الطلاق ]  

3- التفاوت العلمي والمادي بين الناس هو مجرد اختبار وامتحان:

الآن يوجد عندنا معنى آخر هو أن الله سبحانه وتعالى جعل الناس في الدنيا درجات، وفي هذا حكمة بالغة، أي هناك تفاوت في القوة الإدراكية، تفاوت في القوة العضلية، تفاوت في الشكل، تفاوت في الشأن، تفاوت في النواحي العاطفية، تفاوت في النواحي الاجتماعية، تفاوت في المستوى الاقتصادي، هذا التفاوت بعلم الله وتقديره، قال تعالى:

﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32)﴾

[  سورة الزخرف ]

أي هذا جَعَلَه يقبع وراء مكتب فخم، وعنده حاجب، في المظهر الخارجي أن هذا الذي يجلس وراء المكتب له شأن كبير، وهذا الحاجب الذي يقف على الباب شأنه قليل، لكن الله عزّ وجل له مقياس آخر، قد يكون هذا الحاجبُ عند الله عزّ وجل، إذا كان مطيعاً له، قائماً بواجباته، قد يكون له شأنٌ يفوق شأن هذا الذي يخدمه بكثير، فربنا عزّ وجل جَعَلَ الدنيا مراتبَ، وجعل الحياةَ مستويات، لكن الذي يريده أنْ يُمْتَحَنَ كل هؤلاء، فالفقير قد يُمْتَحن بصبره على الفقر، وتعفُفه عن المال الحرام، بينما الغني يُمتَحَن امتحاناً ليس أقلَّ صعوبةً من هذا الامتحان، يمتحنه بقدرته على ضبط نفسه وهو غني، هل يحمله غناه على البطر؟ أو على الكِبْر؟ أو على الإسراف؟ أو على البخل؟ أو على التمتع بما حرّم الله عزّ وجل؟ فالفقير مُبتلى، والغني مُبتلى، الفقير ابتُلي بالفقر ليمتحن صبره، تُمتحن عفته، يمتحن ورعه، والغني ابتلي بالغنى ليمتحن ضبطه لنفسه، لتُمتحن استقامته، لتُمتحن سجيته، ليُمتحن سخاؤه، فالغني مبتلى والفقير مبتلى.
والضعيف مبتلى، المستضعف في الأرض مبتلى، ليس له شأن، والقوي مبتلى، المستضعف مبتلى بصبره، ورضاه بما قَسَمَ الله له، والقوي مبتلى، هل تحمله قوَّتُه على تجاوزِ حقوق الآخرين؟ كلاهما مبتلى، لو دققنا ما من مخلوق ذكر كان أو أنثى، كبير كان أو صغير، غني كان أو فقير، إلا وهو مُبتلى بقدْر ما أعطاه الله عزّ وجل، إذاً لولا أن هناك تفاوتاً لما كانت الحياة، لو أن الناس جميعاً كانوا في أعلى مستوى فكري، من الذي يرضى بعمل يدوي؟ لو أن الناس جميعاً كانوا مهرة في أعمال يدوية من الذي يُؤلِّف الكتب؟ لابد من تمايز في كل النواحي، لو أن الناس جميعاً كانوا بقدرات متساوية، هذه القدرات لا معنى لها، فقدت قيمتها، لو أن الناس جميعاً كانوا بشكل واحد فقدت بعض الميزات قيمتها، فهناك تخطيط إلهي رائع، والكل مبتلى، الضعيف مبتلى، الذي آتاه الله شكلاً كان وسيماً قسيماً مُبتلى، هل يتيه بشكله على الناس؟ هل يستغله في إغواء المعجبات مثلاً؟
والذي آتاه الله شكلاً أقل من هذا هل يجتهد في تأكيد ذاته عن طريق الخُلُق القويم والعمل الطيب؟ 
 

الحكمة الإلهية في توزيع التفاوت العلمي والمادي بين الناس:


آية أخرى:

﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165)﴾

[ سورة الأنعام ]

يكون صاحبُ محل تجاري مُبتلى، والصانع مبتلى، صاحب المحل عنده قائمة ابتلاء طويلة، هل هذه البضاعة اشتراها بشكل صحيح؟ وهل أعطاها سعراً مناسباً؟ وهل باعها بطريقة شرعية؟ وهل عاملَ الشاري معاملة طيبة إسلامية أم غشّ وكذب وحلف أيمان كاذبة؟ مُبتلى، وهل عامل هؤلاء الموظفين معاملة صحيحة؟ هل عاملهم بالعدل؟ أمّا الصانع الذي في هذا المحل فهو مُبتلى، هل كان مخلصاً لسيده؟ هل غشّ الناس؟ هل أخذ شيئاً من الأجرة لنفسه؟ هل نافس الشركة؟ فكل إنسان مبتلى على حجمه، أصحاب الحجوم الكبيرة لهم ابتلاء من نوع خاص، وأصحاب الحجوم الصغيرة لهم ابتلاء من نوع خاص، فلذلك الإنسان، هناك عدالة في الابتلاء، هناك تفاوت في العطاء، أمّا عدالة في الابتلاء، كل الناس مُبْتَلَوْن، المرأة تُبتلى في بيت زوجها، هل كانت زوجة صالحة؟ هل حفظت زوجها في نفسها؟ وماله؟ هل سرته؟ هل نغصت عليه عيشه؟ هل كانت سبباً لمتاعبه أم كانت سكناً له كما أرادها الله عزّ وجل؟ تُبتلى، هل أهملتْ أولادها أم قعدت على بيت أولادها؟ أيّما امرأة قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنة، هل كانت عوناً للشيطان على زوجها، أم كانت عوناً لزوجها على الشيطان؟ هل صبرت عليه؟ هل كانت مؤنتها خفيفة أم حمّلته ما لا يطيق حتى حملته على أكل المال الحرام؟ المرأة تبتلى، والزوج يبتلى، يُبتلى مع أمه، يُبتلى مع زوجته، مع أولاده، مع جيرانه، مع زبائنه، في عمله، مع مَن هم أدنى منه، مع مَن هم أعلى منه، الابتلاء على قَدَمٍ وساقٍ، ما مِن مخلوق على وجهِ الأرض إلا وهو مُبتلى:

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2)﴾

[ سورة الأنعام ]

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30)﴾

[ سورة المؤمنون ]

إذاً: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . 

4- العطاء الرباني لإنسان دون إنسان هو ابتلاء وليس تكريماً:

شيء آخر، يوجد آية دقيقة جداً في سورة الفجر هي من صُلب موضوعنا، قال تعالى:

﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15)﴾

[ سورة الفجر ]

هذه المقولة هي عين الخطأ، ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ﴾ ابتلاه بالمال أكرمه، سكن في بيت مريح، أعطاه مالاً وفيراً، أعطاه شأناً، أعطاه، أعطاه، هو يظنّ هذا إكراماً، مع أنّ هذا في حقّ الكريم ليس إكراماً، الدليل كل هذا العطاء ينقطع بالموت، إذاً ليس إكراماً، ما منّا واحد إلا وقَتَل بعوضة، إذا قتل المرء منّا بعوضة بماذا يُحسّ؟ هل يُحسّ بالذنب؟ هل يُحسّ أنّه أزهق روحاً؟ هل يُحس بوخز الضمير؟ أبداً، هل يُحسّ أنه اقترف إثماً؟ قد يقتل عشرات البعوضات ويصلي العشاء صلاة متقنة، أليس كذلك؟ ما معنى هذا؟ معنى هذا أن البعوضة لا شأن لها عند الله إطلاقاً، والدليل:

(( عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ. ))

[ الترمذي: إسناده صحيح أو حسن  ]

جناح بعوضة، ومع ذلك إذا الإنسان الله أعطاه شأناً، أو أعطاه مالاً، أو أعطاه قوة، أو أعطاه أشياء ممّا يَحسُد الناسُ بعضهم بعضاً عليه هذا ليس عطاءً، والدليل أنه ينقطع بالموت، يأتي الموت فينقطع كلُّ هذا العطاء، فربنا سماه ابتلاء قال: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ﴾ هو، هذه مقولته ﴿رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ .

﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16)﴾

[ سورة الفجر ]

 قد يظن هذا إهانة وحرماناً وبغضاً، هذا أيضاً عين الخطأ، عين الخطأ أن تظن المال إكراماً والحرمان منه إهانة، إيلاماً، لكن الصواب ﴿كلا﴾ هذه كلا حرف ردع، ليس عطائي إكراماً، ولا مَنْعِي حرماناً، إنّ عطائي ابتلاء، وحرماني دواء، إذا أعطى الله عزّ وجل الإنسان مالاً هذا ابتلاء.
 

متى يسمى منح المال إكراماً من الله؟


متّى يُسَمَّى المال إكراماً؟ هناك حالة، إذا أعطاه الله مالاً مبتلياً إياه به فأنفقه في طاعة الله، بعد أن يُنفَق المال في طاعة الله انقلب هذا الابتلاء إلى إكرام، أكرمني اللهُ بهذا المال حيث وفَّقَني إلى إنفاقه في طاعة الله، الزوجة، حينما يقترن الإنسان بامرأة هذا ابتلاء، فإذا وُفِّقَ إلى الأخذ بيدها إلى الله ورسوله، علّمها أمرَ دينها، حثّها على الصلاة، جعلها مصونة، عفيفة، جعلها مثلاً أعلى لنساء المؤمنين، الآن هذه الزوجة نعمةٌ من الله عزّ وجل، لماذا؟ لأن هذا المال الذي أنفقتَه في طاعة الله، وهذه الزوجة التي دللتَها على الله سيكونان نوراً لك في قبرك، هذا العطاء صار مستمراً، لم يَعُدْ مقطوعاً، لو أنك استمتعت بالزوجة فقط مِن دون أن تَدُلَّها على الله، عند الموت تبتعد عنها، وتبتعد عنك، لكنك إذا دللتها على الله، هذه الزوجة بهدايتها نورٌ لك في قبرك، يستمر هذا العمل، فكلُّ عملٍ صالح يستمر أثرُه بعد الموت، إذاً: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ*وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ على كل حينما ينكشف الغطاء يذوب الإنسان خجلاً من الله عزّ وجل، لأن الذي أعطاه إياه اللهُ عزّ وجل هو عين الحكمة، لذلك قال الإمام الغزالي: ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني. 

5- الأجر يكون على قدر الابتلاء:

آية ثانية دقيقة جداً في هذا الموضوع، قال تعالى:

﴿ فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4)﴾

[ سورة محمد ]

لمّا يُنهِي الله عزّ وجل جيشاً محارباً، ينهيه بمرض الطاعون، ينهيه بزلزال، ببركان، هذا انتصارٌ مِن الله مباشر، لكن الناس ليس لهم أجر، أما عندما يكون المؤمنون مثلاً في بدر، الله عزّ وجل كان بالإمكان أن يصيح بهم صيحة واحدة فإذا هم جميعاً خامدون، هذا شيء من قدرة الله عزّ وجل، كُفار قريش حينما جاؤوا ليحاربوا النبي عليه الصلاة والسلام في بدر، أليس في الإمكان أن تكون صيحة واحدة تأخذهم جميعاً فإذا هم خامدون؟ لكنَّ هؤلاء المسلمين عندئذٍ لا أجر لهم.
آخر آية قال تعالى:

﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7)﴾

[ سورة الكهف ]

أيضاً زخارف الدنيا، أحياناً يوجد أماكن جميلة، يوجد بيوت جميلة، منتجعات، يوجد مزارع، يوجد مركبات فخمة، يوجد طائرات خاصة، يوجد يخوت في البحر، يوجد جزر في بعض المحيطات، مشتى يقول لك، اشترى جزيرة بكاملها، هذا أوناسيس كان أغنى أغنياء العالم، أين هو الآن؟ فهذه الزينة وهذا المال العريض وهذه المتع هذه عند الله لا قيمة لها، والدليل يأتي الموت فينهيها، إذاً لازلنا في موضوع الابتلاء، أي علة وجودنا على هذه الأرض أننا مبتلون.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

إخفاء الصور